السيد محمد حسين الطهراني

62

معرفة الإمام

أيُّهَا النَّاسُ ! لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي ، وَلَا تَتَرَامُوا بِالأبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْتَمِعُونَهُ مِنِّي . فَوَ الَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأ النَّسَمَةَ ، إنَّ الذي انَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ . مَا كَذَبَ المُبَلِّغُ ( رسول الله ) وَلَا جَهِلَ السَّامِعُ ( وهو أنا ) . وَلَكَأنِّي أنْظُرُ إلَى ظِلِّيلٍ نَعَقَ بِالشَّامِ وَفَحَصَ بِرَايَاتِهِ في ضَوَاحِي كُوفَانَ . فَإذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ ، وَاشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ ، وَثَقُلَتْ في الأرْضِ وَطْأتُهُ . عَضَّتِ الفِتْنَةُ أبْنَاءَهَا بِأنْيَابِهَا ، وَمَاجَتِ الحَرْبُ بِأمْوَاجِهَا ، وَبَدَا مِنَ الأيَّامِ كُلُوحُهَا ، وَبَدَا مِنَ اللَّيَالِي كُدُوحُهَا . فَإذَا أيْنَعَ زَرْعُهُ ، وَقَامَ عَلَى يَنْعِهِ ، وَهَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ ، وَبَرَقَتْ بَوَارِقُهُ ، عَقَدَتْ رَايَاتُ الفِتَنِ المُعْضِلَةِ وَأقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ المُظْلِمِ وَالبَحْرِ المُلْتَطِمِ . هَذَا وَكَمْ يَخْرِقُ الكُوفَةَ مِنْ قَاصِفٍ ، وَيَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِفٍ . وَعَنْ قَلِيلٍ تَلْتَفُّ القُرُونُ بِالقُرُونِ ، وَيُحْصَدُ القَائِمُ ، وَيُحْطَمُ المَحْصُودُ . « 1 » قال المجلسيّ رضوان الله عليه : قيل : المراد بالضلّيل معاوية . وقيل أيضاً : السُّفيانيّ وقال ابن أبي الحديد : المراد عبد الملك بن مروان ، لأنّ هذه الصفات كانت فيه أتمّ منها في غيره ، لأنّه أقام بالشام حين دعا إلى نفسه ، وهو معنى نعيقه . وفحصت راياته بالكوفة تارة حين شخص بنفسه إلى العراق ، وقتل مصعباً . وتارة لمّا استخلف الامراء على الكوفة ، كأخيه بشر بن مروان وغيره ، حتى انتهى الأمر إلى الحجّاج ، وهو زمان اشتداد شكيمة عبد الملك وثقل وطأته . وحينئذٍ صعب الأمر جدّاً ، وأقبلت الفتن واحدة تلو الأخرى . إذ

--> ( 1 ) - « نهج البلاغة » الخطبة 99 ، ج 1 ، ص 194 و 195 ، تعليق محمّد عبده ، طبعة مصر .